الرئيسيةاقتصادمجمع عمال مصر الصناعي ومدينة الثقافة والعلوم.. حين تلتقي الصناعة بالمستقبل
اقتصاد

مجمع عمال مصر الصناعي ومدينة الثقافة والعلوم.. حين تلتقي الصناعة بالمستقبل

 

ثمة لحظات في تاريخ المؤسسات لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس. حين قرر مجمع عمال مصر الصناعي عقد ملتقاه التوظيفي بالتعاون مع مدينة الثقافة والعلوم، لم يكن ذلك مجرد فعالية توظيف تُضاف إلى قائمة طويلة من الفعاليات المتشابهة، بل كان التقاءً حقيقياً بين مؤسستين تؤمنان بشيء واحد: أن الشباب المصري يستحق أكثر مما يُعطى.

مدينة الثقافة والعلوم ليست مجرد فضاء ترفيهي أو حضاري، بل هي إحدى الصروح المعرفية التي تجمع تحت سقفها العلم والإبداع والتفاعل الإنساني. وحين اختار مجمع عمال مصر أن يُقيم ملتقاه التوظيفي في هذا الفضاء بالتحديد، فقد كان الاختيار رسالةً قبل أن يكون موعداً: نحن لا نُوظِّف فقط، نحن نبني.

منذ ما يزيد على سبعة عشر عاماً، وهذا المجمع يُشكّل ملامح تجربة صناعية مصرية من طراز مختلف. سبعة عشر عاماً لم تمر خفيةً ولا هادئة، بل مرت بكل ما تحمله التجربة الحقيقية من تحديات وإخفاقات ومراجعات ونجاحات. اليوم يضم المجمع في منظومته ثلاثة عشر قطاعاً متكاملاً، وتجاوزت طلبات العمل في قاعدة بياناته حاجز 850 ألف طلب، فيما بلغت بروتوكولات الشراكة أكثر من 47 ألف بروتوكول. هذه ليست أرقاماً للتباهي، بل هي مؤشرات على مسار بدأ صغيراً وتوسّع لأنه كان يُعالج حاجة حقيقية.

في كل ملتقى توظيفي يُنظمه المجمع في أرجاء الجمهورية، يحضر المهندس محمود المغربي، نائب رئيس مجلس الإدارة، الرجل الذي يتحرك ميدانياً بلا توقف برفقة فريق عمل متكامل، حاملاً توجيهات رئيس مجلس الإدارة المهندس هيثم حسين وترجمتها على أرض الواقع. لا يجلس المغربي خلف الأبواب المغلقة ينتظر التقارير، بل يصل قبل أن يصل الشباب، ويبقى حتى يُجاب على آخر سؤال. هذا الحضور الميداني المتواصل من الشمال إلى الجنوب ليس استعراضاً إدارياً، بل هو امتداد طبيعي لفلسفة مؤسسية تؤمن بأن المسؤولية لا تنتهي عند التوقيع على عقد العمل.

ما يُقدمه المجمع للشباب في ملتقياته التوظيفية لا يقتصر على فرصة عمل في قطاع إنتاجي. فالشاب الذي يلتحق بمنظومة مجمع عمال مصر يجد أمامه سكناً ومواصلات داخلية مجانية، وتأمينات صحية واجتماعية كاملة، ومتابعة وتقييماً مستمرَّيْن، ومرتبات تحترم ظروف المعيشة الحقيقية، وإلى جانبها مكافآت مرتبطة بالأداء. هذه المنظومة لا تعني أن كل شيء مثالي، لكنها تعني أن هناك من فكّر بجدية في أن الشاب الذي يصل إلى موقع العمل متعباً من سفر بعيد، جائعاً، غير مستقر، لن يكون منتجاً مهما بلغت مهارته. الاستقرار الإنساني شرط مسبق للإنتاج، وهذه بديهية يتجاهلها كثيرون.

الأكاديمية الصناعية الوطنية، التي تُمثل أحد الركائز الاستثمارية في المجمع، تُكمل هذه الصورة من طرف آخر. فهي لا تنتظر أن يأتيها شاب مؤهل تأهيلاً كاملاً وتوظفه، بل تأخذ الشاب من حيث هو وتُعيد تشكيل قدراته ليتوافق مع متطلبات السوق الفعلية.

التدريب هنا ليس دورات نظرية منفصلة عن الواقع، بل هو عملية متصلة تنتهي بتوظيف فوري ضمن بيئة تشغيلية جاهزة. هذا هو الفرق بين مؤسسة تُدرّب لتقول إنها تُدرّب، ومؤسسة تُدرّب لأنها تحتاج إلى كوادر بعينها وتعرف أين ستوظفها.

قطاع التشغيل في المجمع هو العمود الفقري لهذه المنظومة كلها. إنه القطاع الذي يحافظ على انضباط خطوط الإنتاج واستقرار الخدمات للمستثمرين، ويُوفر حلولاً للعمالة الموسمية، ويضمن الالتزام الكامل بقوانين التأمينات الاجتماعية والصحية. حين يقول المهندس هيثم حسين إن قطاع التشغيل هو المحرك الأساسي الذي يُبقي الإنتاج منضبطاً والخدمات مستقرة، فهو لا يُبالغ، بل يصف واقعاً مُعاشاً يعرفه كل مستثمر تعامل مع المجمع.

ما يُقدمه هذا الملتقى التوظيفي بالتعاون مع مدينة الثقافة والعلوم هو نموذج ينبغي أن يُدرَس ويُعاد إنتاجه. ليس لأنه خالٍ من الثغرات، فلا توجد تجربة إنسانية خالية من الثغرات، بل لأنه يربط ثلاثة عناصر كانت منفصلة في كثير من التجارب المصرية: الفضاء المعرفي، والمنظومة الصناعية، والشاب الباحث عن مكانه. حين تلتقي هذه العناصر الثلاثة في مكان واحد وبرعاية مؤسسية جادة، فإن الأمل يتوقف عن كونه شعاراً ويصبح مساراً.

مصر تحتاج إلى مزيد من هذه النماذج. تحتاج إلى مؤسسات لا تنتظر أن تحل الدولة كل مشكلة، بل تُعرّف دورها ضمن منظومة وطنية أشمل وتسير فيه. سبعة عشر عاماً من التجربة تُثبت أن هذا النوع من العمل ممكن، وأن الاستمرارية ليست حظاً بل هي نتيجة قرارات يومية صحيحة يُراكمها الناس الجادون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *