الرئيسيةاقتصادمجمع عمال مصر يقترح أكاديمية صناعية وطنية ومجلساً استشارياً لبناء القيادات الصناعية المصرية
اقتصاد

مجمع عمال مصر يقترح أكاديمية صناعية وطنية ومجلساً استشارياً لبناء القيادات الصناعية المصرية

 

حين تقف اليوم في قلب أي مجمع صناعي مصري، من دمياط للأثاث إلى مدينة السادس من أكتوبر للصناعات الهندسية، وتنظر إلى عيون الشباب الذين يملؤون ورش التدريب، فإنك ترى أملاً لكنك ترى أيضاً فجوة. تلك الفجوة ليست في الآلات، وليست في المباني، بل في شيء أعمق: كادر وطني قادر على قيادة المستقبل بعينين متمرستين وأيدٍ مؤهلة. المصنع الذي لا يجد كادراً مؤهلاً يتوقف. والكادر الذي لا يجد مصنعاً يُهاجر. حلقة مفرغة تتكرر منذ سنوات، والخروج منها يحتاج تدخلاً في المنظومة لا في طرفيها منفردين.

هنا، في مشهد يعيد تعريف العلاقة بين التدريب والإنتاج، خرج مجمع عمال مصر بورقة عمل تحمل رؤية استراتيجية تتجاوز الإطارات التقليدية. المجمع الذي درب أكثر من 205,000 شاب وشابة خلال 17 عاماً لم يقف عند فخر الرقم، بل تجاوزه إلى فهم عميق لما تحتاجه السوق فعلاً. اقتراحه اليوم ليس مجرد توصيات، بل هو تشخيص جريء لداء مزمن ودواء وطني واضح المعالم.

في قلب الورقة، يقف مقترحان يحملان في جوهرهما نقلة نوعية. الأول: إطلاق أكاديمية الصناعة الوطنية، كيان تعليمي غير تقليدي يُعد الكوادر الفنية والإدارية وفق مناهج لا تُكتب في أبراج عاجية، بل تُصمم بالتنسيق المباشر مع احتياجات كل قطاع صناعي على حدة. ليست الأكاديمية مجرد مبنى آخر يضاف إلى منظومة التعليم الفني، بل هي جسر حي بين مقاعد الدراسة وخطوط الإنتاج، في شراكة متكاملة بين مجمع عمال مصر ووزارة التعليم الفني، تصل الطالب إلى المصنع والآلة إلى العامل الذي يفهمها.

أما المقترح الثاني فهو تأسيس مجلس استشاري صناعي، يضم في عضويته خبراء الصناعة ورواد الأعمال ممن شقوا طريقهم بأيديهم ودمائهم، لا من كتبوا نظريات في مكاتب موقوتة. هذا المجلس لا يكون هيئة بيروقراطية جديدة، بل ضميراً حياً للقرار الصناعي، يجتمع دورياً ويرفع توصياته للجهات التنفيذية دون لف ولا دوران. لماذا؟ لأن القرار الصناعي الذي لا يسمع الميدان يُصيب أحياناً ويُخطئ كثيراً.

وأنت، أيها القارئ، حين تتأمل هذين المقترحين ستجد أنهما ليسا منفصلين بل متكاملين. الأكاديمية تخلق الكادر المؤهل، والمجلس الاستشاري يصحح مسار القرارات لتحتضن هذا الكادر. معاً، يشكلان منظومة تغلق الدائرة المفرغة التي تتحدث عنها ألسنة العمال في كل مصنع منذ سنوات. إنها ليست أمنيات، بل هي تجربة راكمها مجمع عمال مصر في 17 عاماً من العمل الميداني اليومي، حيث تخرج من قاعات التدريب أكثر من مائتي ألف شاب وشابة لم يعد أي منهم يحتاج إلى من يسأل: أين سأعمل؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الاقتراح على كل معني بمستقبل الصناعة المصرية: هل سنظل ننتظر حتى يهاجر الكادر المدرب بحثاً عن فرصة، أم سنبني لأنفسنا أكاديمية وطنية تحول أبناءنا إلى طاقة منتجة داخل وطنهم؟ تحولات كهذه لا تحتاج إلى قرارات عاجلة فقط، بل إلى إرادة تعرف أن الاستثمار في العقل المدرب هو أكثر الاستثمارات ربحاً، وأقلها تكلفة على المدى البعيد.

ما يحاول مجمع عمال مصر قوله اليوم، من خلال عقود من الخبرة والتجربة، هو أن الصناعة لا تُبنى بالحديد وحده، بل بالحديد والعقل معاً. فهل نسمع؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *